من دكار، عاصمة السنغال، هذه المدينة الجميلة المطلة على المحيط الأطلسي في غرب أفريقيا.
، حيث يلتقي البحر بالسماء في أفق مفتوح. يذكرني هذا المشهد بغزة، و بيروت والإسكندرية، وإلى شواطئ مدننا العربية والمتوسطية التي ارتبطت في ذاكرتنا بالحياة والثقافة والانفتاح على العالم. ومن هذا التأمل وفي خصمه ، تحضر غزة بكل ما تحمله من وجع وذاكرة وأمل.
تشهد دكار افتتاح معرض فني وثقافي يحمل عنوان «كان يا ما كان في غزة» (Il était une fois Gaza)، وءلك يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 في نصب النهضة الأفريقية، ويستمر حتى الثامن من يناير 2027.
هذا المعرض، الذي يقف وراءه الفنان السنغالي السويسري عثمان ديا (Ousmane Dia)، بإشراف البروفيسور السنغالي بابكر مباي ديوب (Babacar Mbaye Diop)، يجمع فنانين فلسطينيين مع مبدعين من السنغال وسويسرا، في لقاء فني وإنساني يستحضر غزة، ليس فقط بوصفها مكاناً للمأساة والمعاناة، وإنما أيضاً فضاءً للحياة والذاكرة والإبداع والأمل.
ويشارك في المعرض الفنانون الفلسطينيون محمد الحواجري، وأحمد داري، ورائد عيسى، ومها ضياء عيسى، ودينا الحواجري، وليزا ماضي، ومي مراد، وتيماء سلامة، إلى جانب الفنان عثمان ديا، والمخرج السينمائي السويسري نيكولا واديموف (Nicolas Wadimoff).
ويقدم المشاركون أعمالاً في الرسم والنحت والتركيبات الفنية والفنون البصرية، تستحضر ذاكرة غزة وحياة أهلها وما تعرضت له من دمار وفقدان، وتؤكد في الوقت نفسه قدرة الفن على مقاومة النسيان وحفظ الحكايات الإنسانية. ومن أبرز الأعمال تركيب فني يضم 365 منحوتة معدنية، إلى جانب أعمال نحتية كبيرة تربط بين الذاكرة التاريخية الأفريقية والمأساة الفلسطينية. ويتضمن البرنامج أيضاً عرض الفيلم الوثائقي «من لا يزال حياً» (Qui vit encore) للمخرج نيكولا واديموف، يوم 24 أكتوبر.
لكن أهمية هذا المعرض تتجاوز أبعاده الفنية والثقافية والإنسانية، فهو يشكل رسالة تضامن من داكار إلى غزة، ومن أفريقيا إلى فلسطين، تؤكد أن الفن قادر على الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وحفظ الذاكرة في مواجهة محاولات المحو والنسيان.
وليس غريباً أن تنطلق هذه الرسالة من السنغال، البلد الذي ارتبط اسمه منذ عقود طويلة بدعم القضية الفلسطينية، رسمياً وشعبياً وثقافياً.
فمن دكار انطلقت، في مطلع سبعينيات القرن الماضي، إحدى أولى تجارب الحضور الدبلوماسي الفلسطيني في أفريقيا جنوب الصحراء، مع افتتاح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1973، في مرحلة كانت فيها حركة التحرر الوطني الفلسطينية تعزز علاقاتها بحركات التحرر الأفريقية وبالدول المستقلة حديثاً.
ومنذ تأسيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف عام 1975، تضطلع السنغال برئاستها، في تعبير عن التزام سياسي ودبلوماسي متواصل بحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والاستقلال.
ولم يقتصر هذا الموقف على المؤسسات الرسمية، بل تجسد أيضاً في حركات التضامن الشعبية والسياسية والثقافية، وفي مواقف المثقفين والفنانين والمجتمع المدني السنغالي، الذين ظلوا يعتبرون فلسطين قضية عدالة وحرية وكرامة إنسانية.
ومن هنا تكتسب هذه التظاهرة الفنية معنى إضافياً، فهي ليست مجرد معرض عن غزة، بل امتداد لعلاقة تاريخية بين فلسطين والسنغال، ولذاكرة مشتركة بين شعبين عرفا، كل بطريقته، معنى النضال من أجل الحرية والاستقلال.
إنها رسالة من دكار إلى غزة، رسالة محبة وتضامن وأمل، وتحية إلى كل من يجعل من الفن والثقافة مساحة للقاء بين الشعوب، وللدفاع عن الحياة والحرية والكرامة الإنسانية.






