لا تُقاس هيبة الخطاب السياسي بمكانة صاحبه وحدها. ولا بوزن الكلمات التي يتضمنها. بل كذلك بقدرته على إيصال المعنى بوضوح وسلامة. فاللغة. في الخطاب المؤسساتي. ليست مجرد وعاء للأفكار. وإنما جزء من صورة المسؤول. وأداة للتواصل مع المواطنين. ومرآة لمدى العناية بصياغة الرسالة العامة.
ومن هذا المنطلق. أثار الأداء اللغوي لرئيسة الحكومة المغربية. فاطمة الزهراء المنصوري. خلال عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026. ملاحظات تستحق النقاش. ليس من باب تصيّد الهفوات أو تحويل التعثرات العابرة إلى قضية شخصية. بل من زاوية العلاقة بين المسؤولية السياسية ومتطلبات الخطاب الرسمي.
وبحسب الرصد الذي أنجزته للمداخلة. فقد بلغ عدد الملاحظات اللغوية والصوتية ما بين 45 و55 ملاحظة خلال نحو نصف ساعة من الإلقاء. وتوزعت. وفق تصنيفي. بين مواضع تتعلق بالسكون والوقف. وأخرى بنطق الهمزات. إلى جانب ملاحظات نحوية وحالات من التلعثم أو التعثر في الأداء. وهي أرقام تستدعي، بطبيعة الحال. الرجوع إلى التسجيل الأصلي وتحديد مواضعها بدقة. حتى لا يبقى النقاش أسير الانطباع. وحتى يتسنى التمييز بين الخطأ اللغوي الفعلي وما قد يكون مجرد عارض من عوارض الإلقاء.
فليس كل توقف خطأ. ولا كل تعثر دليلًا على ضعف لغوي؟ إذ قد تفرض طبيعة النص المكتوب. أو طول الجملة. أو ضغط اللحظة السياسية. وقفاتٍ لا تُعدّ خللًا في ذاتها. لكن تكرار الملاحظات. إن ثبت بالتسجيل والتحليل. يفتح سؤالًا مشروعًا حول مستوى العناية باللغة في المناسبات الرسمية التي تتجاوز أهميتها صاحب الخطاب إلى المؤسسة التي يمثلها.
وإذا كانت السياسة تُقاس. في جانب منها، بقدرة المسؤول على صياغة الخيارات وشرح البرامج والدفاع عن القرارات، فإن سلامة التعبير تظل عنصرًا مهمًا في إيصال هذه المضامين. فالخطاب الحكومي ليس حديثًا عابرًا في مجلس خاص. بل رسالة مؤسساتية تُلقى تحت قبة البرلمان. حيث تصبح الكلمة جزءًا من المشهد السياسي. وتغدو طريقة تقديمها مؤثرة في تلقي مضمونها.
وهنا تبرز المفارقة: قد يكون البرنامج الحكومي حافلًا بالأرقام والوعود والمشروعات. لكن وصوله إلى المتلقي يظل مرتبطًا أيضًا بوضوح العبارة واستقامة الأداء. فالمعنى يحتاج إلى مضمون قوي. لكنه يحتاج كذلك إلى لغة لا تُربك الرسالة ولا تصرف الانتباه عن جوهرها. وحين ينشغل المتلقي بملاحقة الهفوات بدل متابعة الأفكار. فإن الخطاب يخسر شيئًا من فاعليته التواصلية. حتى لو ظل مضمونه جديرًا بالنقاش.
أما الحديث عن تأثير اللغة الفرنسية في بعض أنماط النطق أو بناء الجملة. فينبغي أن يظل في حدود الفرضية التي تحتاج إلى أمثلة لغوية واضحة. لا أن يتحول إلى تفسير جاهز لكل تعثر. فالازدواج اللغوي في المجتمع المغربي واقع معروف. لكن إثبات أثره في أداء شخص بعينه يتطلب تحليلًا محددًا. لا مجرد افتراض يستند إلى الخلفية اللغوية أو المهنية.
والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين المهنة والقدرة على الإلقاء. فلا يجوز افتراض أن التكوين القانوني أو السياسي يضمن تلقائيًا سلامة الأداء الشفهي. كما لا يصح اتخاذ تعثر في خطاب واحد حكمًا شاملًا على الكفاءة المهنية أو الفكرية لصاحبه. النقد الرصين يضع الأداء في موضع المساءلة، لكنه لا يتجاوز الأدلة المتاحة ولا يخلط بين تقويم الخطاب والحكم على الشخص.
ومع ذلك. لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى الإنصاف إلى ذريعة لإعفاء المسؤولين من النقد. فالمناصب العامة تفرض مسؤوليات تتجاوز تدبير الملفات واتخاذ القرارات؟ إذ تشمل أيضًا الاستعداد الجيد للمناسبات المؤسساتية. والعناية بالنصوص الرسمية. ومراجعتها لغويًا. والتدرب على إلقائها بما يضمن وصول الرسالة إلى الجمهور بأكبر قدر من الوضوح.
ولعل المفارقة الساخرة هنا أن الخطاب السياسي قد يَعِد بتدبير التحديات الكبرى. فيما يجد نفسه أمام تحدٍّ أصغر حجمًا وأكثر مباشرة: أن يمنح اللغة حقها من الإعداد والعناية. وليس المقصود أن يتحول المسؤول السياسي إلى أستاذ في النحو أو خبير في علم الأصوات. بل أن يدرك أن الكلمة الرسمية ليست تفصيلًا هامشيًا في المشهد. وأن سلامتها من عناصر احترام المؤسسة والجمهور معًا.
إن النقد اللغوي للخطاب السياسي لا ينبغي أن يكون محاكمة للأشخاص. ولا مسابقة في اصطياد الزلات. وإنما ممارسة صحفية تقوم على التسجيل والتوثيق والتحليل. وتضع الأداء أمام معايير واضحة. فإذا كانت الملاحظات المرصودة دقيقة وقابلة للتحقق. فإن نشر أمثلتها وتوقيتاتها سيمنح النقاش قيمة تتجاوز السخرية العابرة، ويحوّله إلى مساءلة موضوعية عن مستوى العناية باللغة العربية في الخطاب المؤسساتي.
في النهاية. لا تنتقص الهفوات اللفظية وحدها من قيمة برنامج حكومي، كما لا تكفي سلامة النطق لإثبات جودة السياسات. لكن بين مضمون الخطاب وطريقة تقديمه علاقة لا يمكن تجاهلها. فالسياسة تحتاج إلى برامج قابلة للتنفيذ. والمؤسسات تحتاج إلى تواصل واضح، واللغة العربية تستحق أن تحضر في فضاء رسمي بحضور يليق بمكانتها.
ولذلك. فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت فاطمة الزهراء المنصوري قد تعثرت في بعض المواضع، بل ما إذا كانت المؤسسات السياسية تمنح الإعداد اللغوي للخطاب الرسمي ما يستحقه من عناية. فحين تصبح الكلمة جزءًا من المسؤولية العامة. لا يعود الاهتمام بسلامتها ترفًا لغويًا، بل يدخل في صميم جودة التواصل السياسي.






